الشوكاني

38

فتح القدير

في رحالهم ) قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم من رواية شعبة وابن عامر " لفتيته " واختار هذه القراءة أبو حاتم والنحاس وغيرهما . وقرأ سائر الكوفيين " لفتيانه " وأختار هذه القراءة أبو عبيد ، وفي مصحف عبد الله بن مسعود كالقراءة الآخرة . قال النحاس : لفتيانه مخالف للسواد الأعظم ، ولا يترك السواد المجمع عليه لهذا الإسناد المنقطع وأيضا فإن فتية أشبه من فتيان ، لأن فتية عند العرب لأقل العدد ، وأمر القليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه والجملة مستأنفة جواب سؤال كأنه قيل : فما قال يوسف بعد وعدهم له بذلك ؟ فأجيب بأنه قال لفتيته . قال الزجاج الفتية والفتيان في هذا الموضع المماليك ، وقال الثعلبي : هما لغتان جيدتان مثل الصبيان والصبية . والمراد بالبضاعة هنا هي التي وصلوا بها من بلادهم ليشتروا بها الطعام ، وكانت نعالا وأدما ، فعل يوسف عليه السلام ذلك تفضلا عليهم ، وقيل فعل ذلك ليرجعوا إليه مرة أخرى لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمن ، قاله الفراء ، وقيل فعل ذلك ليستعينوا بها على الرجوع إليه لشراء الطعام ، وقيل إنه استقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام ، ثم علل يوسف عليه السلام ما أمر به من جعل البضاعة في رحالهم بقوله ( لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ) فجعل علة جعل البضاعة في الرحال هي معرفتهم لها إذا انقلبوا إلى أهلهم ، وذلك لأنهم لا يعلمون برد البضاعة إليهم إلا عند تفريغ الأوعية التي جعلوا فيها الطعام ، وهم لا يفرغونها إلا عند الوصول إلى أهلهم ، ثم علل معرفتهم للبضاعة المردودة إليهم المجعولة في رحالهم بقوله ( لعلهم يرجعون ) فإنهم إذا عرفوا ذلك وعلموا أنهم أخذوا الطعام بلا ثمن ، وأن ما دفعوه عوضا عنه قد رجع إليهم ، وتفضل به من وصلوا إليه عليهم نشطوا إلى العود إليه ، ولا سيما مع ما هم فيه من الجدب الشديد والحاجة إلى الطعام وعدم وجوده لديهم ، فإن ذلك من أعظم ما يدعوهم إلى الرجوع ، وبهذا يظهر أن يوسف عليه السلام لم يرد البضاعة إليهم إلا لهذا المقصد ، وهو رجوعهم إليه فلا يتم تعليل ردها بغير ذلك ، والرحال جمع رحل . والمراد به هنا ما يستصحبه الرجل معه من الأثاث . قال الواحدي : الرحل كل شئ معد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير ومجلس ورسن انتهى . والمراد هنا الأوعية التي يجعلون فيها ما يمتارونه من الطعام . قال ابن الأنباري : يقال للوعاء رحل وللبيت رحل ( فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل ) أرادوا بهذا ما تقدم من قول يوسف لهم : ( فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ) : أي منع منا الكيل في المستقبل ، وفيه دلالة على أن الامتيار فإن مرة بعد مرة معهود فيما بينهم وبينه ، ولعلهم قالوا له بهذه المقالة قبل أن يفتحوا متاعهم ويعلموا برد بضاعتهم كما يفيد ذلك قوله فيما بعد ولما فتحوا متاعهم - إلى آخره ، ثم ذكروا له ما أمرهم به يوسف ، فقالوا ( فأرسل معنا أخانا ) يعنون بنيامين و ( نكتل ) جواب الأمر : أي نكتل بسبب إرساله معنا ما نريده من الطعام . قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وابن عامر وعاصم " نكتل " بالنون . وقرأ سائر الكوفيون بالياء التحتية . واختار أبو عبيد القراءة الأولى قال : ليكونون كلهم داخلين فيمن يكتال ، وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحده : أي يكتال أخونا بنيامين ، واعترضه النحاس مما حاصله أن إسناد الكيل إلى الأخ لا ينافي كونه للجميع . والمعنى : يكتال بنيامين لنا جميعا . قال الزجاج : أي إن أرسلته اكتلنا وإلا منعنا الكيل ( وإنا له ) أي لأخيهم بنيامين ( لحافظون ) من أن يصيبه سوء أو مكروه . وجملة ( قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ) مستأنفة جواب سؤال مقدر كما تقدم في نظائر ذلك في مواضع كثيرة ، والمعنى : أنه لا يأمنهم على بنيامين إلا كما أمنهم على أخيه يوسف وقد قالوا له في يوسف - وإنا له لحافظون - كما قالوا هنا ( وإنا له لحافظون ) ثم خانوه في يوسف فهو إن أمنهم في بنيامين خاف أن يخونوه فيه كما خانوه في يوسف ( فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين ) لعل هنا إضمارا والتقدير فتوكل يعقوب على ( الله ودفعه إليهم وقال : فالله خير حفظا . قرأ أهل المدينة